ملاحظة استراتيجية

العرب اليوم ناهض حتّر
في مقالة الزميل طاهر العدوان “قمة الترويكا العربية” (العرب اليوم،25/8/2002) فكرة استراتيجية لامعة، سأحددها الآن وأطورها.
1- يلاحظ الزميل العدوان أنه إذا كانت الترويكا العربية (القاهرة – الرياض – ودمشق) هي صانعة المسار العام للنظام العربي، فإن للبنان والأدرن دورين استراتيجيين خاصين يتجاوزان هذه الترويكا. لبنان في مجال مقاومة إسرائيل والأردن في مجال الانتصار للعراق.
2- يكاد النفوذ المباشر للترويكا العربية أن يغطي المشرق العربي، بالإضافة إلى نفوذها غير المباشر في البلدان المغاربية. وهناك الكثير مما يمكن قوله حول المثلث المصري–السعودي–السوري، وأهميته، وتاريخه، وقدرته على تحقيق “الإجماع” العربي، وعزل “المعارضة”… إلخ سوى أننا سنختصر القول بأنه ثمة ما يسوغ لقادة هذا المثلث، شعورهم بأنهم في غنى عن الآخرين من أجل البحث في تحديد موقف عربي وإقراره.
3- ومع ذلك، فإن للبلدين العربيين الصغيرين، لبنان والأردن، ما يعطيهما استقلالاً موضوعياً نسبياً عما تقرره الترويكا بشأن الصراع العربي–الإسرائيلي أو بشأن العراق.
4- لبنان، بحكم تكوينه الخاص “وديمقراطيته” التي تسمح بتوزيع السلطات، سياسياً وميدانياً، في إطار وحدة الدولة، يستطيع أن يفسح في المجال، لحركة مقاومة مثابرة ومقتدرة ضد اسرائيل، تمثل (أي تلك الحركة) رأس حربة الضمير العربي ومحتواه إدامة الصراع، السياسي والمسلح، مع إسرائيل… أعني إدامة الصراع العربي–الإسرائيلي، والإبقاء على جذوة عروبة القضية الفلسطينية، متقدة.
5- والأردن، بحكم جملة عوامل استراتيجية خاصة (سأعالجها لاحقاً) استطاع ويستطيع أن يفسح في المجال لموقف مثابر مميّز إزاء العراق، يتجاوز “الإجماع” العربي وتشققاته، ويمثل رأس حربة الضمير العربي إزاء البلد الذي يُعدّ بروسيا العرب. ومحتواه إدامة الطموح العربي إلى النهضة والوحدة. وذلك الموقف الأردني الاستراتيجي الخاص من العراق، لم يتغير منذ تأسيس الدولتين الحديثتين في البلدين الشقيقين. ونذكر، هنا، بأن عمان واصلت علاقاتها الاستراتيجية مع العراق حين تحول عن النظام الملكي إلى الجمهوري، وبالرغم من الصراع الناصري-العراقي. ووقف الأردن إلى جانب العراق في كل الأطوار، وبغض النظر عن التحولات العراقية أو احتدام الصراع بين بغداد والعواصم العربية الأخرى، ولا سيما في الحرب العراقية–الإيرانية وفي حرب الخليج الثانية وفي مقاومة الحصار. وحين حاولت إحدى الحكومات الأردنية، الخروج عن الثوابت الاستراتيجية الأردنية إزاء العراق (1995-1996) فقد تصدى الشعب الأردني كله لها، في مواجهات دامية انتهت بسقوط تلك الحكومة ونهجها.
***
للأردن دور استراتيجي خاص إزاء العراق. إنه رئته وحليفه وشريكه وحامل رايته والمتفهم لوجدانه العميق ونبضه. وبقدر ما يلتزم الأردن بهذا الدور الخاص، بقدر ما يكون مالئاً لموقعه الضروري في النظام العربي. وهذا الموقع، بالذات، مستقل إزاء أرادة قرارات الترويكا العربية.

Posted in Uncategorized.