يكتب : لا لقانون القائمة النسبية، نعم لقانون 1989

من سوء الحظ، أننا نكاد نتورّط بقانون انتخاب عام، أسوأ من سابقه؛ لكن، هذه المرّة، مع كثير من التهليل للإنجاز المعدود ‘ ديموقراطيا’، مما يعيق النقاش الجدي حول لاـ واقعيّة مشروع القانون المعني الذي أقرّته الحكومة، وحوّلته إلى البرلمان. وتحت القبة، قد يتمرد النواب، على حالة الابتهاج القسري بإلغاء قانون الصوت الواحد المجزوء، لكنهم قد ينتبهون، أو ينبههم مسؤول، إلى أنهم يستطيعون إقرار مشروع القانون الحكومي، طالما أنهم قادرون، في الممارسة، على تفريغه من محتواه؛ تذكروا كيف تكاثرت القوائم الوطنية، في انتخابات 2013، بحيث أصبحت مجرد عناوين للترشيح الفردي.المقاربة التي أنتجت مشروع القانون ذاك، هي مقاربة استشراقية، تُريد تكييف المجتمع على مقاس فكرة ليبرالية؛ لكن فعالية المجتمع سوف تعاكس الواهمين، وتعيد تشكيل اللوحة ـ أكثر تشوها ـ وفقا لقواعد اللعبة الميدانية.
تفترض المنافسة بين القوائم الانتخابية، أن تكون هذه معبّرة عن أحزاب أو تيارات أو تكتلات سياسية، أيديولوجية وبرنامجية؛ لكن ، دعونا نتوقف ، قليلا، عند الآليات الفعلية في تشكيل القسم الرئيسي من القوائم المتنافسة ذات الفرصة؛ هل لديكم شك في أن العديد من المرشحين القادرين على تأمين كتلة تصويتية كافية، سيشكلون قوائم يملأونها بالأسماء غير الجادة؟ وفي أحسن الأحوال هل لديكم شك في أن القوائم، عموما، ستكون عشائرية؟ هناك احتمالان هما : أن يشكل كل تجمع قبلي أو جهوي قائمته الخاصة، ليحصل على ما كان يحصل عليه من مقاعد سابقا، والاحتمال الثاني أن تتشكل قائمة تحالف بين عشائر أ وب وج ود الخ تتنافس مع قائمة تحالف عشائر س وص وع ول الخ؛ وعليه، سوف تتم قسمة المقاعد بين التكتلات العشائرية الأقوى، وداخلها، أي داخل تلك التكتلات، بين العائلات الأكثر ثراء ونفوذا. هكذا، لن تكون هناك أي فرصة للعشائر الأقل عددا، وللعائلات الأقل ثراء. وبطبيعة الحال، لن يكون هناك أي فرصة للشخصيات الوطنية والاجتماعية والثقافية، خارج النمط العشائري.
لا تعتمد الممارسة السياسية المستقلة، في بلدنا على العناوين الحزبية، بل على العناوين الشخصيّة، ولا يُلتَفَت إلى الحزب، بل إلى الحزبي، القيادي، الشخص، بالذات. مثلا، هل كانت رمزية الحزب الشيوعي وهيبته، تساوي بعضا من رمزية الدكتور يعقوب زيادين وهيبته؟ تنطبق المقارنة على البعث ( الجناح السوري) والراحل محمود المعايطة الخ؛ الفعالية السياسية الرئيسية في الأردن ارتبطت بشخصيات؛ صحيح أن كلا منها ينتمي إلى نهج، ولكن أيا منها لا يمثّل نهجا أو تيارا أو حزبا. ولا يخرج عن هذا الإطار، جزئيا، سوى الإخوان المسلمين، القادرين على منح الفوز لبعض الأعضاء المغمورين، لكن، من دون أن يكونوا قادرين على تجاهل الشخصيات والعشائر.
في قانون انتخابٍ عام، يقوم على تنافسٍ (نسبي) بين قوائم المرشح الأقوى القوائم العشائرية أو الجهوية( ستعيد انتاج صراعات محلية قديمة) لن يكون هناك مكان للشخصيات المستقلة، إذا لم تنخرط في تحالف عشائري وجهوي، يعني إذا لم تتخلّى عن طابعها الوطني.
استخدم مصطلح الوطني، هنا، بمعنى محدد هو التكوين الشخصي الذي يتمثّل مصالح واتجاهات ـ ويسعى لتمثيل ـ الكلّ الوطني، أي ذلك الخارج عن الجزئي أو الفرعي أو الجهوي أو الديني أو الفردي الخ
في ظل قانون الصوت الواحد المجزوء، كان الالتزام العشائري ومصالح الناخبين الفردية والأموال والتدخلات، هي العناصر التي تقرر الفائزين. ووفقا لهكذا معادلة، كان صعبا جدا فوز شخصية وطنية مستقلة. ومع ذلك، كانت تحدث اختراقات؛ ذلك أن قانون الصوت الواحد المجزوء، لا يمنع، من حيث المبدأ، فوز ذلك النوع من المرشحين، في هذه الدائرة أو تلك، أو بهذه المصادفة أو تلك. لكن مشروع قانون القوائم النسبية، سوف يحول دون أي اختراق نيابي للمثقفين والمناضلين والشخصيات الوطنية.
فما البديل؟
في قانون 1989، كان الناخب يستطيع انتخاب من يشاء من المرشحين في دائرته بما لا يزيد عن عدد المقاعد النيابية المكرّسة لها؛ أتاح ذلك، للناخب، تلبية كل نوازعه في آن معا: يمنح صوته لمرشح عشيرته، ومرشح الخدمات، ومرشح النفوذ، وحتى مرشح المال، ثم يبقى له، في الأخير، صوت لمرشح الضمير أو الإعجاب. هذا الصوت ثمين جدا، لأنه يقع فوق كل العوامل ما قبل السياسية، ويسمح بفوز شخصيات وطنية،غير عشائرية ولا متنفذة ولا متموّلة.
في مشروع قانون الانتخاب لعام 2015، لا توجد مثل تلك الامكانية؛ لا يستطيع الناخب اختيار مرشح الضمير؛ فهو ملزم، أولا، بانتخاب قائمة، هي ، غالبا، تعبير عن مرشح متنفذ متمول أو تحالف عشائري أو جهوي. وهو يستطيع أن يفاضل بين أعضائها، ولكن لا يمكنه الخروج عليها. وبذلك، لا يعدو المشروع المطروح، المعدود ‘ ديموقراطيا’، أن يكون تكريسا لمعادلة تُقصي المختلفين، وتعيد انتاج برلمان من دون نواب مستقلين أو معارضين أو مثقفين.
سيُقال إن الأحزاب يمكنها أن تشكّل، هي الأخرى، قوائم؛ لكن إذا لم تتطابق هذه القوائم مع الآليات المسيطرة، فلن تكون ذات فرصة؛ ولن تستطيع اجتذاب ناخب ملزم بالاقتراع لقائمة تحالف عشائري.
لا أريد التشكيك في أن القصد من وراء مشروع قانون القوائم النسبية، هو إقصاء الشخصيات المعارضة الجادة؛ غير أن القيام باختبار انتخابي عياني، وفق ذلك المشروع، سوف يبرهن على مضمونه الإقصائي وتأثيره السلبي على المتحد الاجتماعي وهوية التمثيل؛ مثلا ، فلنجلسْ، وندرس آليات تشكيل القوائم الانتخابية في محافظة البلقاء تحديدا، لنكتشف حجم الكارثة التي ستمزق المجتمع المحلي، وتعيد انتاج انحيازات وعداوات، تعود إلى القرن التاسع عشر، ثم نسأل أي كتلة تصويتية، ستحدد الفائزين؟
بالمقابل، فإن التشكيك في الاستهدافات السياسية الكبرى لمشروع قانون الانتخاب المطروح، واقعيٌ تماما. وهو ينسجم، كليا، مع الضغوط الأميركية والأوروبية للتوطين السياسي.
………
قانون الانتخاب العام، الدستوريّ من دون التباس، والأكثر تطابقا مع واقع المجتمع الأردني، هو قانون 1989 ؛ فهو يسمح بالتحالفات والقوائم، ويدفع بالشخصيات التقليدية الأكثر اتزانا ووزنا، ويمنح فرصا حقيقية للشخصيات الوطنية والحزبية وللمعارضة، ولا يهدّد معادلات التمثيل الديموغرافي ـ السياسي.
ويواجه قانون 1989، من حيث آلية الانتخاب وعدد المقاعد وتقسيمات الدوائر، عقبات من أربع قوى، هي:
أولا، النواب الحاليون ـ الذين لن يستطيع معظمهم الفوز في ظله ـ ويفضلون، بالطبع، قانون الصوت الواحد المجزوء، أو معالجة قانون القائمة النسبية واقعيا، بقوائم المرشح الفردي،
ثانيا، وهو الموقف نفسه الذي يتبناه التيار المحافظ الذي لا يريد معارضة جدية ولا برلمانا قويا؛
ثالثا، التيار الأميركي ـ الغربي ـ الليبرالي الذي يريد مشروع قانون القوائم النسبية، لأسباب تتعلق بالحل النهائي للقضية الفلسطينية؛
رابعا، وهو ما يتطابق مع مصلحة الإخوان المسلمين؛ فهؤلاء الذين خسروا وحدتهم ونزفوا العديد من شخصياتهم الوازنة، لم يعد قانون 1989، يناسبهم؛ ويفضلون إنقاذ وضعهم المهلهل، بحصد أصوات المؤيدين لحركة حماس والنصرة الخ، وملء المقاعد التي ستكسبها هذه القوائم، بمَن شاءوا من الصف الثاني والثالث والرابع. وربما لن يكون أمام أجهزة الدولة، سوى دعم قوائم فتحاوية لمنافسة القوائم الحمساوية، أي، في النهاية، اجتذاب صراعات غرب النهر إلى شرقه!

Posted in Uncategorized.