من هو الأردني؟

ناهض حتّر(1)
المصري هو المصري
السوري هو السوري
اللبناني هو اللبناني
والفلسطيني هو الفلسطيني
والكويتي(!) هو الكويتي…
ولن يتعب طالب الابتدائية في الاجابة على سؤال هو غير مطروح اصلاً يقول: من هو المصري او السوري او اللبناني او الفلسطيني او الكويتي. ولكن احداً مهما كان عبقرياً لا يستطيع ان يجيب على هذا السؤال: من هو الاردني، ولا حتى يستطيع ان يحدد -لمدة ٢٤ ساعة -عدد الناس المحسوبين اردنيين… فهذا العدد ينقص احياناً، ويزيد مراراً وفقاً لارادة الهية حرة من كل القيود الدنيوية-الدستورية او القانونية او السياسية او السكانية او الاقتصادية او المائية الخ…
من هو الاردني؟
هذا سؤال كبير معلق في فضاء الاحتمالات الاجابة عليه تطرح اسئلة جديدة والاجابات عديدة، متعددة، غامضة معقدة… كانها بعض الشعر الحديث!
الباحثون والصحفيون والكتاب والسياسيون، يؤرقهم هذا السؤال في اشكال طرحه المختلفة، يؤلفون الاجابات كل على ليلاه، ويعقدون حلقات البحث وموائد الحوار ويدبجون المقالات والتصريحات.
رجال الاعمال والمستثمرون وملاك العقارات والوسطاء التجاريون، لا يطرحون هذا السؤال، ولا يجيبون عليه، ولكنهم، بالعلاقة معه، يصعدون السوق أو يخفضونها!
النظام السياسي الاردني يعيش من هذا السؤال وعليه، فهو يصغر الاردنيين، احيانا، الى عشيرة مباركة ويضخمهم دائماً-ويزيد في اعدادهم واصولهم ومنابتهم، كيفما يشاء، ووقتما يشاء… لدواع سياسية صريحة مرة، او لدواع «انسانية» تغطي تعهدات سياسية مرة، او لدواع سوقية محضة، او لدواعي التنافس مع النظام السياسي الفلسطيني على «السكان» بعد ان اعترف النظامان بان الارض هي لطرف ثالث… هو «اسرائيل»!
النظام السياسي الاردني لم ينجح في شيء مثل نجاحه العبقري في قلب المعادلة التاريخية القائلة ان الشعوب ثابتة وانظمة الحكم متغيرة. ففي الاردن، نظام الحكم ثابت، والشعب هو المتغير-وسبحان الذي يغير ولا يتغير!
(2)
ولكن، بالفعل، من هو الاردني؟
ما اصعب السؤال، وما ابسطه!
هو صعب عندما تحاول ان تجيب عليه من وجه نظر المشروع الصهيوني الهادف الى ابتلاع فلسطين كلها وتحويل الاردن الى مكب لمخرجات تصفية القضية الفلسطينية وحواشيها وتعقيداتها!
وهو صعب عندما تنظر اليه من وجهة نظر مشروع النظام السياسي الذي يرى في التغير السكاني اساسا لثباته!
هو صعب عندما تنظر اليه من وجهة نظر ضحايا المشروع الصهيوني وخيانة الانظمة العربية وقسوتها، فهؤلاء الضحايا بشر… وهم بحاجة -كالبشر-الى وطن-اذا لم يكن وطنهم فبديل عنه-والى جواز سفر اذا لم يكن جواز سفر دولتهم المستقلة، فآخر بديل يجعل الاقامة آمنة من الاذلال والتهجير، والتنقل الكريم ممكناً. وهؤلاء، من بعد، يريدون ان يضعوا «مستقبلهم» في اعمال واستثمارات وملكيات عقارية، ويريدون لهذه الاعمال والاستثمارات والملكيات، حماية سياسية لا تكفلها سوى مشاركتهم اولاً في القرار السياسي، قبل ان يصبح هذا القرار السياسي، قرارهم!
والضحايا يستطيعون، بعد كل ذلك، ان يظلوا، في عواطفهم وولاءاتهم، منتسبين الى هوية ضائعة على الارض، ولكنها ضرورية لقيام عصبيتهم واستمرارها وقوتها… فالعصبية–على رأي ابن خلدون أساس الملك!
وقد تعلم الضحايا -من قبل ومن بعد-ان الدخول والخروج فالدخول والخروج من الاردنة سهل جداً، ولا يكلف شيئاً. فكثيرون-مثلاً يعرفون ان احدى الوزيرات كانت وعلى الملأ قد داست على جواز سفرها الاردني، وقالت في الاردن ما لم يقله مالك في الخمر، لتصبح، فيما بعد، وزيرة اردنية… ومن نادي الوزراء الدائمين. ولو حدث في بريطانيا ام الديمقراطية؟! ان فعل مواطن بريطاني ما فعلته الوزيرة، لخجلت بقالة انجليزية ان توظفه لديها مرمطوناً! والامثلة كثيرة، ولكن ليس هنالك متسع… ولكننا نستطيع ان نخصص مقالاً طويلاً نرصد فيه اعداء الاردن ولا اقول النظام الاردني-الذين يحتلون المناصب والمكاسب واعمدة الصحف ويخطفون الاضواء الآن باسم الاردن والاردنية ودلة القهوة والخيمة والطبخة البائتة اياها!
«من هو الأردني»؟
سؤال صعب لان النظام السياسى الاردني ليس من مصلحته ان يجيب عليه جواباً قاطعاً فقد يخرجه هذا الجواب القاطع من اللعبة… كما هو ليس من مصلحة قسم كبير من «الاردنيين» لانهم ببساطة يريدون «الحسنيين» ان يكونوا اردنيين وغير اردنيين معاً، وان يدخلوا ويخرجوا من الاردنة حسبما تقتضيه الظروف والمصالح!
(3)
من هو الاردني يا له من سؤال صعب!
ولكنه -من وجهة نظر الحقيقة-سؤال بسيط! والاجابة عليه من وجهة نظر الشعب الاردني بديهية! فالاردني هو الاردني اي هو الذي كان يقطن، بصورة طبيعية، في المحافظات الثلاث التعسة التي شاء الاستعمار الانجلو-فرنسي فصلها عن الوطن الام سورية، ودمجها في كيان لاغلاق فواتير المشروع الاستعماري الصهيوني فيكون، في الآن نفسه – وليس بالمصادفة-مكباً لمخرجات تصفية الثورة العربية الكبرى، وتصفية القضية الفلسطينية!
اذن الاردني هو الاردني، هو سليل العشائر التي يمكن تعدادها لو ان هنالك متسعاً!
الاردني هو الاردني… الاردني فعلاً، ابن البلد، الذي هو اردني نسباً لا انتساباً، روحاً لا جواز سفر، من الحجر والشجر… وليس من «الاصول والمنابت»!
ثم هناك الاردني انتساباً من اولئك الشركس والشيشان والشوام والحجازيين والفلسطينيين، الذين تأردنوا بصورة طبيعية، وانصهروا في لحم البلد وعظمه، وصاروا من الاردنيين وعليهم، روحاً وعقلاً!
الاردني هو هذا وذاك… وفقط!
وعلى هذا، فالاردنيون يمكن تعدادهم، والركون الى نتائج احصائهم وهم لا يتزايدون الا بالولادات الطبيعية لا بالقرارات السياسية الفوقية!
والشعب الاردني شعب طيب رحب الصدر، وقادر على صهر المتأردنين بصورة طبيعية، ولكنه شعب الخيل والليل ايضاً، ولن يقبل ان يفقد السيادة الكاملة غير المنقوصة على ارض بلده… ومستقبله.
والشعب الاردني صاحب تراث قديم في مقاومة الصهيونية والصهاينة والتصهين وهو الذي اجبر النظام السياسي، اواخر العشرينات، على تحريم اقامة اليهودي شرق النهر عداك عن امتلاكه أرضاً او عقاراً او استثماراً.
ولكن اليهودي هو الذي استولى بالحديد والنار والمال، على ارض الفلسطينيين، وشردهم شرق النهر لكي يستوطنوا ويمتلكوا ويستثمروا ويؤسسوا «وطناً قومياً»! فالامر، كما يحدث في حركة الماء في الاواني المستطرقة:
يحل اليهود محل الفلسطينيين في فلسطين.
ويحل الفلسطينيون محل الاردنيين في الأردن.
فلسطين ارض بلا شعب (يعني بلا سيادة) للوطن القومي اليهودي
والاردن ارض بلا شعب (يعني بلا سيادة) لتوطين الفلسطينيين وحل مشكلاتهم الاقتصادية والانسانية والسياسية تحت الاشراف المباشر لنظام سياسي متحالف مع «اسرائيل»!
اذن، فلنقل انها «اسرائيل الكبرى» غرب النهر وشرقه، ولنقل ان الماء المتحرك في الاواني المستطرقة قد وصل الآن او يكاد -نهايته!
وهي بالذات النهاية المنتصرة لكونفدرالية بيريز «الواقعية»
كونفدرالية سكان ثنائية في شرق الاردن تحت اشراف نظام سياسي حليف!
وكونفدرالية سياسية-اقتصادية ثلاثية محورها تل ابيب!
(4)
من هو الاردني؟
يستطيع النظام السياسي الاردني ان يعلق هذا السؤال كيفما طاب له.
ويستطيع حمادة فراعنة ان يقول انا اردني وفلسطيني.
ويستطيع أحمد سلامة ان يلغي الاردنيين والفلسطينيين معاً فلا يبقى سوى العشيرة المباركة التي وهبها الله الحق في تحديد الاطار- والصورة معأ!
ويستطيع وزير الداخلية، ان يضيق على مناضلي حماس ويطردهم من الاردن لانهم فلسطينيون ثم يمنح المواطنة الاردنية لابراهيم العبسي لانه ضد حماس!
ويستطيع د. ممدوح العبادي –باوامر عليا -ان يحل مشكلة المخيمات، وان ينظمها، فلا تعود «مخيمات عائدين» بل احياء مواطنين!
ويستطيع كلنتون ان يشبه الاردن- ولا تشبيه- بالولايات المتحدة! من حيث هي بلد لتمازج الاعراق والاصول والثقافات!
ولكن الاردن هو الاردن
والاردني هو الاردني
وفلسطين هي فلسطين
والفلسطيني هو الفلسطيني
حق الفلسطينيين-لاجئين ونازحين -وواجبهم ايضاً هو العودة الى ارضهم وديارهم
وحق الاردنيين وواجبهم ايضا -ان يعرفوا لهم صفة وحدوداً وعدداً وان يضمنوا السيادة الكاملة غير المنقوصة على ارضهم.
وحقنا-اردنيين وفلسطينيين- وواجبنا ان نقول لا لتصفية القضية الفلسطينية وتصفية السيادة الاردنية.
(5)
ان يكون المرء اردنياً… ليس شيئاً عظيماً ولكنه حق له أصحابه! واصحاب هذا الحق بالذات هم الذين لم ولا يؤخذ رأيهم في هويتهم وعددهم ومستقبلهم… ولكن من يظن ان هذا الضياع ليس له آخر واهم! وقد يظن انه بسبب موازين القوى -قادر على ان يؤردن من يشاء، حينما يشاء، وللاغراض التي يشاء الى ما نهاية… واهم.
ومن يظن انه قادر على تجاهل حقيقة وجود شعب اردني محدد الملامح وصاحب السيادة على هذه الارض، ومصدر السلطات فيها… واهم.
(6)
من هو الاردني!
نحن لا نغلق هذا السؤال!
فالاردن ليس «وطناً» نهائياً… بل هو جزء من وطن سوري عربي كبير… والنسب الاردني ليس قومية والاردنيون ليسوا امة، بل جزء من أمة، ستنتصر وسيكون لها دولتها الواحدة!
ولكن السؤال ليس مفتوحاً بلا حدود… فحتى في الدولة القومية الواحدة سيكون للاردن كيان وللاردنيين هوية وعدد…
وقد يكون السؤال مفتوحاً باتجاه العرب، ولكنه ليس مفتوحاً ابداً باتجاه «اسرائيل» ومشروعها لتصفية القضية الفلسطينية.
فلأن «اسرائيل» كيان استعماري استيطاني يغتصب فلسطين العربية، ويقدم على تشريد شعبها!
ولأن اردنة الفلسطينيين تعني تهويد فلسطين،
ولان كل فلسطيني يتأردن يساوي مستوطناً يهودياً جديداً في فلسطين.
لكل هذا، يكون الاردني على وجه الدقة والتعيين والتحديد-هو غير الفلسطيني!
وقد يكون الاردن في قادم الايام السعيدة محافظات سورية او عراقية او كياناً مستقلاً في كونفدرالية عربية سورية-عراقية!
وقد يتأردن عراقيون وسوريون وحجازيون ولبنانيون ومصريون وما شئت في عملية طبيعية قومية…
ولكن الاردن لن يكون فلسطين والفلسطيني لن يكون اردنياً… طالما كان هنالك على ارضنا وجود «لاسرائيل»!
ذلكم هو، بالضبط، موقف الشعب الاردني الذي يختنق صوته في الاعلام الديمقراطي ولا يظهر منه سوى دلة قهوة وخيمة وشيوخ «عثمانيين» يقبلون الايادي!
ذلكم هو، بالضبط، موقف الشعب الاردني
فليتنبه الجميع… الجميع
من يصرف الجنسية والجوازات
ومن يأخذها!
ومن يبيع الاراضي والعقارات
ومن يشتريها
ومن يلعب بالنار… ومن يتدفأ عليها!
فالكرنفال انتهى… والارض تحمأ… وتكاد الاحجار ان تنتفض.

Posted in Uncategorized.