مقال غير معنون

تبدأ في القاهرة، اليوم، أعمال “دورة القدس” لمجلس وزراء الخارجية العرب. ولا نعرف كيف سيتدبر عمرو موسى (مصر) وفاروق الشرع (سوريا) أمر الخلاف الذي يزداد حدة بين البلدين بشأن مفاوضات الحل النهائي للقضية الفلسطينية، وهل سيتمكنان من إخفائه في تسوية لفظية، أم أنه سينفجر مع الإصرار المحتمل، لكل منهما، على حَمْل المؤتمرين على تبني وجهة نظر بلاده بالكامل.

وسورية – لأسباب مبدئية معلنة متطابقة مع احتياجاتها “العملية”– ترفض أي مساومة على المسار الفلسطيني، لئلا تصبح سابقة على المسار السوري. ومن البديهي أن سورية التي تتمسك بالانسحاب الإسرائيلي، العسكري والاستيطاني، من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران 1967، تفزعها، بالفعل، صفقة إسرائيلية–فلسطينية تتضمن مساومات مثل تبادل الأراضي أو الإبقاء على وجود عسكري إسرائيلي في هذه الصيغة أو تلك أو الإبقاء على المستوطنات أو جعل القدس عاصمة لدولتين… فكل هذه الأفكار، سوف يعود الأميركيون والإسرائيليون إلى طرحها على طاولة المفاوضات مع دمشق التي ستكون، من بعد، وحيدة على هذه الطاولة، ويمكن، إثر اختراق مدوٍ على المسار الفلسطيني، تأجيل التفاوض معها إلى ما شاءت المصلحة الإسرائيلية. ثم، في النهاية، مَن من الأميركيين أو الإسرائيليين أو العرب، سيتعاطى مع قداسة الشاطئ الشرقيّ لبحيرة طبريا، إذا كانت العاصمة الروحية للعرب، أي القدس نفسها، يمكن أن يسوّى “الخلاف” عليها بمساومات… غير مقدسة؟!

مصر– بالمقابل – لها مصلحة حيوية في رعاية وإنجاز اتفاق إسرائيلي– فلسطيني غير ممكن، بالطبع، بدون تلك المساومات، فاتفاق كهذا سوف يعزز مكانة الدور المصري على المستوى الإقليمي، ويجدّد أهمية مصر في الاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط، ويحافظ على تدفق المساعدات الأميركية والغربية للاقتصاد المصري.

والدبلوماسية المصرية هي الطرف العربي الوحيد الذي له دور في المفاوضات بين تل أبيب وغزة. وهذا الدور ناجم، ويا للأسف، عن الحاجة الأميركية– الإسرائيلية– الفلسطينية، لتمرير صفقة كامپ ديڤيدII، عربياً. فلقد وصلت الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية– المهتمتان، جدياً ولأسباب داخلية بالدرجة الأولى، بإشهار تلك الصفقة– إلى قناعة راسخة بأن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، لا يستطيع أن يوقع على ما وافق عليه فعلاً، بدون موافقة العرب… وهذه ما تستطيع القاهرة، وحدها، تأمينها، ولكن، بالطبع، ضمن شروط موضوعية وذاتية.

الشروط الموضوعية تكمن في ضرورة تحسين صفقة كامپ ديڤيدII، وخصوصاً إيجاد مخرج “كريم” لقضية القدس، ما يجعل تسويق الاتفاق النهائي، لدى العواصم العربية، ممكناً، أما الشروط الذاتية، فتكمن في الثمن الذي تريده القاهرة، سياسياً واقتصادياً، من حليفها الأميركي. والمساومات، الآن، تجري في هذين السياقين بالذات. والقاهرة، كما يبدو، تظهر قدراً من “التشدد” في مطالبها، الفلسطينية والمصرية! لكن ذلك “التشدد”– كما ينبغي أن يكون مفهوماً– هو في إطار الصفقة وخطوطها العامة… لا ضدها! وهو ينطلق من ضرورة تطوير ما تم الاتفاق عليه، لا… من ضرورة تطابقه مع الثوابت الوطنية الفلسطينية أو قرارات الشرعية الدولية!

فإذا كان هذا التحليل صحيحاً، فسيكون مفهوماً لماذا اقترحت دمشق، جادةً ومتلهفة، عقد القمة العربية، ولماذا اعتبرت القاهرة أن الوقت غير ملائم لعقدها. فالعاصمة المصرية لا تريد أيّ قيود على حركتها… في هذه المرحلة. وهي يمكنها إقناع العرب فرادى… فإذا اجتمعوا، في قمة، لن يكون لديهم مهرب من إعادة تأكيد المبادئ… كما تريد دمشق.  وهو ما سيحدث، على الأرجح، في “دورة القدس” التي ستتجاهل القاهرة، على كل حال، نتائجها… وستستفيد من المناسبة لإجراء مناقشات ثنائية “حميمة”… في الكواليس.

… والسؤال المطروح الآن: أين عمان من كل ذلك؟

  • لا مكان، موضوعياً، لـ…”دور أردني” في المفاوضات الرباعية الجارية (الأميركية– الإسرائيلية– الفلسطينية– المصرية) طالما أنه ليس لنا تأثير على القرار الفلسطيني، أو ثقل إقناعي على المستوى العربي. فواشنطن وتل أبيب، إذن، لا تحتاجان إلى الدبلوماسية الأردنية.
  • الأطراف المتفاوضة الأربعة لن تأخذ ” المصالح الأردنية” بعين الاعتبار، لأنها مطمئنة تماماً إلى أن عمان لن تعترض على نتائج هذه المفاوضات، كائناً ما كانت، سيما وأن الموقف الرسمي الأردني يؤيد المفاوض الفلسطيني تأييداً غير مشروط، ويبارك– بدون تحفظ– دور الشقيقة الكبرى، ويبدي تلهفاً “محموداً” على “أحداث اختراق جوهري في عملية السلام.”
  • الولايات المتحدة وإسرائيل لن تهباننا أي ثمن لأنه ليس لنا دور… ولأننا “نحب السلام” ونريد له التقدم على كل المسارات، حتى لو كانت نتائجه تتجاهل أو حتى تؤذي مصالحنا!

لقد أصبح واضحاً، بصورة جلية، أن السياسة الخارجية الأردنية الراهنة لا تخدم، بل تضرّ الدور الأردني والمصالح الأردنية. وربما غدا من الضروري أن نحزم أمرنا باتجاه “انتفاضة” في سياستنا الخارجية، تضعنا، مجدداً، على خارطة الأحداث، وعنوان هذه الانتفاضة هو، في رأينا، الإعلان، بدون تهيب، أنه سيكون لدينا فيتو… وإجراءات إزاء أي اتفاق يغير بمصالحنا الوطنية الأساسية، وخصوصاً في قضية اللاجئين.

Posted in Uncategorized.